أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
46
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الصرف ، لامه ياء ، بدليل قولهم في التثنية : لهيان انتهى . وقد تقدم فساد هذا الرد . وقال الراغب : اللهو : ما يشغل الإنسان عمّا يعنيه ويهمّه ، يقال : لهوت بكذا ، ولهيت عن كذا ، اشتغلت عنه بلهو » . وهذا الذي ذكره الراغب هو الذي حمل المهدوي على التفرقة بين المادتين . قوله : « وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ » قرأ الجمهور بلامين الأولى لام الابتداء ، والثانية للتعريف ، وقرءوا « الْآخِرَةُ » رفعا أنها صفة « لَلدَّارُ » ، و « خَيْرٌ » خبرها . وقرأ ابن عامر « ولدار » بلام واحدة ، هي لام الابتداء ، و « الْآخِرَةُ » جر بالإضافة ، وفي هذه القراءة تأويلان : أحدهما : قول البصريين ، وهو أنه من باب حذف الموصوف ، وإقامة الصفة مقامه ، والتقدير : ولدار الساعة الآخرة ، أو لدار الحياة الآخرة ، يدل عليه : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا ومثله قولهم : « حبة الحمقاء » « 1 » و « مسجد الجامع » و « صلاة الأولى » و « مكان الغربي » ، التقدير : حبة البقلة الحمقاء ، ومسجد المكان الجامع ، وصلاة الساعة الأولى ، ومكان الجانب الغربي . وحسن ذلك أيضا في الآية كون هذه الصفة جرت مجرى الجوامد في إيلائها العوامل كثيرا . وكذلك كل ما جاء مما يوهم فيه إضافة الموصوف إلى صفته ، وإنما احتاجوا إلى ذلك لئلا يلزم إضافة الشيء إلى نفسه ، وهو ممتنع ، لأن الإضافة إمّا للتعريف أو للتخصيص ، والشيء لا يعرف نفسه ولا يخصصها . والثاني : وهو قول الكوفيين : أنه إذا اختلف لفظ الموصوف وصفته ، جازت إضافته إليها ، وأوردوا ما قدمته من الأمثلة . قال الفراء : « هي إضافة الشيء إلى نفسه ، كقولك : بارحة الأولى ويوم الخميس و حَقُّ الْيَقِينِ « 2 » ، وإنما يجوز عند اختلاف اللفظين » . وقراءة ابن عامر موافقة لمصحفه ، فإنّها رسمت في مصاحف الشاميين بلام واحدة ، واختارها بعضهم لموافقتها لما أجمع عليه في يوسف : وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ « 3 » ، وفي مصاحف الناس بلامين . و « خَيْرٌ » يجوز أن يكون للتفضيل ، وحذف المفضل عليه ، للعلم به ، أي : خير من الحياة الدنيا ، ويجوز أن يكون لمجرد الوصف بالخيرية ، كقوله تعالى : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا « 4 » و لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ متعلق بمحذوف ، لأنه صفة ل « خَيْرٌ » ، والذي ينبغي أو يتعين أن تكون اللام للبيان ، أي : أعني للذين ، وكذا كل ما جاء من نحوه ، نحو : خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى « 5 » . قوله : أَ فَلا تَعْقِلُونَ قد تقدم « 6 » الكلام في مثل هذه الهمزة الداخلة على الفاء ، وأختيها الواو وثمّ . وقرأ ابن عامر ونافع ، وحفص عن عاصم « تَعْقِلُونَ » خطابا لمن كان بحضرته عليه السّلام وفي زمانه ، والباقون بياء الغيبة ردا على ما تقدم من الأسماء الغائبة وحذف مفعول « تَعْقِلُونَ » للعلم به ، أي : أفلا يعقلون أن الأمر كما ذكر فيزهدوا في الدنيا ، أو أنها خير من الدنيا . قوله : قَدْ نَعْلَمُ .
--> ( 1 ) في اللسان : البقلة الحمقاء : هي الفرفخة ، وقال ابن سيده : البقلة الحمقاء التي تسميها العامة الرّجلة لأنها ملعبة ، فشبّهت بالأحمق الذي يسيل لعابه ، وقيل : لأنها تنبت من مجرى السيول . اللسان : حمق 1000 . ( 2 ) سورة الواقعة ، آية ( 95 ) . ( 3 ) آية ( 109 ) . ( 4 ) سورة الفرقان ، آية ( 24 ) . ( 5 ) سورة الضحى ، آية ( 4 ) . ( 6 ) انظر آية رقم ( 44 ) من سورة البقرة .